ابن أبي الحديد
58
شرح نهج البلاغة
ومنها في ذكر بنى أمية : " يظهر أهل باطلها على أهل حقها ، حتى تملأ الأرض عدوانا وظلما وبدعا إلى أن يضع الله عز وجل جبروتها ، ويكسر عمدها ، وينزع أوتادها . ألا وإنكم مدركوها فانصروا قوما كانوا أصحاب رايات بدر وحنين ، تؤجروا ، ولا تمالئوا عليهم عدوهم ، فتصرعكم البلية ، وتحل بكم النقمة " . ومنها : " إلا مثل انتصار العبد من مولاه إذا رآه أطاعه ، وإن توارى عنه شتمه . وأيم الله لو فرقوكم تحت كل حجر ، لجمعكم الله لشر يوم لهم " . ومنها : " فانظروا أهل بيت نبيكم ، فإن لبدوا فالبدوا ، وإن استنصروكم فانصروهم ، فليفرجن الله الفتنة برجل منا أهل البيت " ، بأبي ابن خيرة الإماء ، لا يعطيهم إلا السيف هرجا هرجا ، موضوعا على عاتقه ثمانية أشهر ، حتى تقول قريش : لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا ، يغريه الله ببني أمية حتى يجعلهم حطاما ورفاتا ، ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا . سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا . فإن قيل : لماذا قال : " ولو لم أك فيكم لما قوتل أهل الجمل وأهل النهروان " ، ولم يذكر صفين ؟ قيل لان الشبهة كانت في أهل الجمل وأهل النهروان ظاهرة الالتباس ، لان الزبير وطلحة موعودان بالجنة ، وعائشة موعودة أن تكون زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله في الآخرة ، كما هي زوجته في الدنيا ، وحال طلحة والزبير في السبق والجهاد والهجرة معلومة ، وحال عائشة في محبة الرسول صلى الله عليه وآله لها وثنائه عليها ونزول القرآن فيها معلومة ، وأما أهل النهروان فكانوا أهل قرآن وعبادة واجتهاد ، وعزوف عن الدنيا وإقبال على أمور الآخرة ، وهم كانوا قراء أهل العراق وزهادها ، وأما معاوية فكان فاسقا ، مشهورا بقلة الدين والانحراف عن الاسلام ، وكذلك ناصره ومظاهره على أمره عمرو بن العاص ، ومن أتبعهما من طغام أهل الشام وأجلافهم وجهال الاعراب ، فلم يكن أمرهم خافيا في جواز محاربتهم واستحلال قتالهم ، بخلاف حال من تقدم ذكره .